ابن كثير
61
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إبراهيم عليه السّلام خليل الرّحمن ، لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ العنكبوت : 27 ] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات اللّه وسلامه عليهما ، ولهذا قال تعالى : ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وهو الكتاب الذي أوحاه اللّه إليه وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهم الحواريون رَأْفَةً أي رقة وهي الخشية وَرَحْمَةً بالخلق . وقوله : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها أي ابتدعها أمة النصارى ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم . وقوله تعالى : إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فيه قولان [ أحدهما ] أنهم قصدوا بذلك رضوان اللّه ، قاله سعيد بن جبير وقتادة . [ والآخر ] - ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللّه . وقوله تعالى : فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أي فما قاموا بما التزموه حق القيام ، وهذا ذم لهم من وجهين [ أحدهما ] - في الابتداع في دين اللّه ما لم يأمر به اللّه و [ الثاني ] - في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى اللّه عز وجل . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي حدثنا السندي بن عبدويه ، حدثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن مسعود ، عن أبيه عن جده ابن مسعود قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ابن مسعود » قلت : لبيك يا رسول اللّه . قال : « هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة ؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق ، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم عليه السّلام ، فدعت إلى دين اللّه ودين عيسى ابن مريم ، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت ، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال ، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين اللّه ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت ، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط ، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر اللّه تعالى : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ » . وقد رواه ابن جرير « 1 » بلفظ آخر من طريق أخرى فقال : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا داود بن المحبر ، حدثنا الصعق بن حزن ، حدثنا عقيل الجعدي عن أبي إسحاق الهمداني عن سويد بن غفلة عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم » وذكر نحو ما تقدم وفيه « فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ هم الذين آمنوا بي وصدقوني وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ وهم الذين كذبوني
--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 691 .